الغزالي

162

إحياء علوم الدين

العارض الخامس : أن يكون الشخص من عوام الخلق ، ولم يغلب عليه حب الله تعالى فيكون السماع له محبوبا ، ولا غلبت عليه شهوة فيكون في حقه محظورا ، ولكنه أبيح في حقه كسائر أنواع اللذات المباحة ، إلا أنه إذا اتخذه ديدنه وهجيراه وقصر عليه أكثر أوقاته فهذا هو السفيه الذي ترد شهادته ، فإن المواظبة على اللهو جناية ، وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة ، فكذلك بعض المباحات بالمداومة يصير صغيرة ، وهو كالمواظبة على متابعة الزنوج والحبشة والنظر إلى لعبهم على الدوام ، فإنه ممنوع وإن لم يكن أصله ممنوعا إذ فعله رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ومن هذا القبيل اللعب بالشطرنج ، فإنه مباح ولكن المواظبة عليه مكروهة كراهة شديدة ، ومهما كان الغرض اللعب والتلذذ باللهو فذلك إنما يباح لما فيه من ترويح القلب ، إذ راحة القلب معالجة له في بعض الأوقات ، لتنبعث دواعيه فتشتغل في سائر الأوقات بالجد في الدنيا كالكسب والتجارة ، أو في الدين كالصلاة والقراءة . واستحسان ذلك فيما بين تضاعيف الجد كاستحسان الخال على الخد ، ولو استوعبت الخيلان الوجه لشوهته ، فما أقبح ذلك ، فيعود الحسن قبحا بسبب الكثرة ، فما كل حسن يحسن كثيره ولا كل مباح يباح كثيره ، بل الخبز مباح والاستكثار منه حرام ، فهذا المباح كسائر المباحات فإن قلت : فقد أدى مساق هذا الكلام إلى أنه مباح في بعض الأحوال دون بعض فلم أطلقت القول أولا بالإباحة ، إذ إطلاق القول في المفصل بلا أو بنعم خلف وخطأ فاعلم أن هذا غلط ، لأن الإطلاق إنما يمتنع لتفصيل ينشأ من عين ما فيه النظر ، فأما ما ينشأ من الأحوال العارضة المتصلة به من خارج فلا يمنع الإطلاق ، ألا ترى أنا إذا سئلنا عن العسل أهو حلال أم لا ، قلنا : إنه حلال على الإطلاق مع أنه حرام على المحرور الذي يستضربه ، وإذا سئلنا عن الخمر قلنا : إنها حرام مع أنها تحل لمن غص بلقمة أن يشربها مهما لم يجد غيرها ، ولكن هي من حيث إنها خمر ، حرام ، وإنما أبيحت لعارض الحاجة والعسل من حيث إنه عسل جلال ، وإنما حرم لعارض الضرر ، وما يكون لعارض فلا يلتفت إليه ، فإن البيع حلال ويحرم بعارض الوقوع في وقت النداء يوم الجمعة ، ونحوه من العوارض ، والسماع من جملة المباحات من حيث إنه سماع صوت طيب موزون مفهوم